مصطفى الفقي يكتب: التحولات الثقافية فى الوطن العربى

News




مصطفى الفقى


نشر في:
الإثنين 19 يوليه 2021 – 8:26 م
| آخر تحديث:
الإثنين 19 يوليه 2021 – 8:28 م

كان للتدخلات الأجنبية من القوى الكبرى أثرها البالغ فى تعقيد الأوضاع وإلقاء مزيد من المخاوف

إن التغييرات التى طرأت على معطيات الصراع العربى ــ الإسرائيلى فى الأعوام الماضية، وما اعتراها من تحول بلغ مائة وثمانين درجة أحيانا، ارتبطت فى المقام الأول بالتغيرات الثقافية التى بدأت تسود المنطقة، وتركت بصماتها القوية على الخريطة السياسية لدول الوطن العربى، حتى أصبحنا أمام مشهد كان من الصعب مجرد تخيله. فالاتجاهات الجديدة فى بعض الدول العربية التى تبدو أحيانا مندفعة لتدشين العلاقات مع إسرائيل هى حدث غير مسبوق لأكثر من سبب. فمصر والأردن عندما أقامتا العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، أجرتا ذلك فى ظل مبدأ الأرض مقابل السلام، لأن أراضى الدولتين كانت محتلة، فكان المبرر قويا، والتفسير واضحا.

وأنا أسجل هنا، بدايةً، أنه لا بأس عندى أن تسعى بعض الدول العربية لممارسة سيادتها الكاملة فى إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، والعلاقات معها أمر لا يُزعجنا، لأن التطبيع المجانى آتٍ يوما ما، ولا يمكن إنكار احتماله. فمصر، على سبيل المثال، قد وقّعت على اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، ومضت العلاقات بين البلدين على امتداد أربعين عاما تحبو بمنطق السلام البارد، وحرمت مصر نفسها طواعيةً من ميزات السلام الدافئ، إذا كان له ميزات، وظلت الثوابت المعروفة للقضية الفلسطينية هى الإطار الذى تحركت فيه مصر والأردن وغيرهما من الدول العربية، إلى أن جاء حين من الدهر تطورت فيه مناهج التفكير وأساليب الحوار بين العرب وإسرائيل، وتلك ــ فى نظرى ــ قضية ثقافية بالدرجة الأولى. ولنا أن نطرح حولها القضايا التالية:

أولا: يعود إلى عصر جمال عبدالناصر السبب فى تنامى المخاوف المتبادلة بين الطرفين ودور أدوات الإعلام الناصرية فى إذكاء الروح القومية وتعميق العداء مع إسرائيل وإبراز المخاطر المتوقعة منها. ويكفى أن نتذكر أنه قد جرت فى البداية اتصالات غير معلنة بين الطرفين بحثا عن حل عادل للقضية الفلسطينية، ولكن إسرائيل لم تستجب من خلال زعمائها الأوائل لسياسات عبدالناصر. ولا ننكر أن العداء الإسرائيلى أقدم من ذلك بكثير. فقد بدأ يتضح بصورة كبيرة مع ثورات الشعب الفلسطينى الباسل فى ثلاثينيات القرن العشرين، التى أجهضتها نكبة 1948 وحالة الانقسام العربى التى كانت مسيطرة على المنطقة كلها. لذلك، فإنه من العبث أن نتصور مسئولية سياسات عبدالناصر وحدها فى تجسيد حدة العداء وتعميق روح الخلاف، لأن المسألة أكبر من ذلك وأخطر.

ثانيا: لقد عاش اليهود فى أقطار العالم العربى من مغربها إلى مشرقها لقرون، واحتضنتهم شعوب المنطقة، خصوصا بعد طردهم من إسبانيا مع خروج العرب منها، وسقوط حكمهم فيها. فلقد تبوّأ اليهود مواقع اقتصادية ومناصب سياسية، وعاشوا فى ظل روح التسامح العربى الإسلامى لقرون عدة، ولكن إعلان قيام دولة إسرائيل ونزوح عدد كبير منهم إليها قد شكّلا صورة ذهنية جديدة بدأت تُعادى اليهود وتشعر بالخطر الذى بدأت أحداثه بين عامى 1956 و1967، ثم 1973. فقد تيقن العرب أن سياسات إسرائيل العنصرية التوسعية العدوانية قد أغلقت أمامهم قنوات التواصل، وصنعت ثقافة جديدة سائدة تشرّبتها الأجيال الجديدة منذ بداية مراحل حياتهم.

إننى أتذكّر أحيانا أن وزير المالية المصرى كان يهوديا، هو يوسف أصلان قطاوى باشا، ولم تكن هناك تلك الحساسيات التى عرفتها المنطقة، حتى إنه قيل إن عميد الأدب العربى طه حسين قد حضر احتفال افتتاح الجامعة العبرية عام 1926، وترأس المؤسسة الثقافية التى أصدرت مجلة «الكاتب» فى منتصف أربعينيات القرن الماضى، وكانت برأسمال يهودى وإدارة تمضى على النسق ذاته. فلقد كان ذلك عصر داوود حسنى وزكى مراد وغيرهما من الفنانين والأدباء اليهود، فلم يكن الناس يرفضون الصوت الساحر للمطربة ليلى مراد باعتبارها يهودية الأصل، أو الممثلة راقية إبراهيم التى ظهرت فى أحد أفلام الموسيقار محمد عبدالوهاب قبل أن تصل إلى إسرائيل بعد فرارها إلى إحدى الدول الغربية، بينما بقيت شقيقتها نجمة تمارس مهنة التمثيل بعد أن تزوجت من مصرى مسلم. ويكفى أن نتذكر أن فى القاهرة وحدها أكثر من عشرة معابد يهودية، وفى الإسكندرية أيضا بعض منها، ولم يحدث عدوان على أحدها فى أعوام 1948 أو1967، ولا 1973. والأغلب الأعم من العرب متحضرون، ولكن الأزمة كانت دائما فى سياسات إسرائيل وممارساتها الاستفزازية العدوانية مع أزمة فقدان الثقة المتبادلة بين الجانبين، فضلا عن استخدام البعض للقضية الفلسطينية وكأنها «قميص عثمان» عند اللزوم!

ثالثا: كان للتدخلات الأجنبية من القوى الكبرى أثرها البالغ فى تعقيد الأوضاع وإلقاء مزيد من المخاوف المتبادلة، خصوصا تجاه قضايا الأمن وارتباطها بما يسميه الطرفان السلام العادل. وقد بدأت بريطانيا لتكون الراعى للدولة العبرية منذ تصريح بلفور، 2 نوفمبر (تشرين الثانى) 1917، ثم تولت الرعاية بعدها فرنسا التى بدأت الخطوات الأولى فى المشروع النووى الإسرائيلى بإنشاء مفاعل ديمونة فى خمسينيات القرن الماضى، حتى بدأت المشكلة الكبرى بدخول الولايات المتحدة الأمريكية الساحة والتعامل مع إسرائيل وكأنها إحدى الولايات الأمريكية فى المنطقة ومساندتها فى حروبها، فضلا عن حمايتها من المنظمات الدولية ووضعها فى إطار خارج الشرعية والقانون الدولى. لذلك، كان طبيعيا أن تسود المنطقة ثقافة الريبة والمخاوف والشكوك التى سيطرت على الشرق الأوسط لعقود طويلة.

رابعا: لقد زرع العرب، وربما الإسرائيليون أيضا، ذلك (التابو) الذى يتشكّل من مجموعة من المخاوف السياسية والدينية، ويعطى لكل طرف صورة مغلوطة عن الطرف الآخر، ويسمح بالمبالغة فى تصوير الأشياء وتحقيق الأمور. لذلك، توهّم العرب أن إسرائيل قوة لا تقهر، وتوهّم الإسرائيليون أن العرب على الجانب الآخر أمة لا تدرك الحقائق ولا تعى طبيعة الأمور، بل تمضى على طريق يجعلها بعيدة عن روح العصر وتطوراته. لذلك، اختفت لعقود طويلة ثقافة السلام. وعندما قام الرئيس المصرى محمد أنور السادات بمبادرته عام 1977، فإن الصدمة كانت أكبر من أن يحتملها العقل العربى والوجدان القومى. أما الآن، فإن الدنيا قد تغيرت، والأمور تحولت، وما كان مرفوضا بالأمس أصبح مقبولا اليوم. إنها نظرية هنرى كيسنجر الذى كان يرى أن عامل الزمن يقوم تلقائيا بتغيير مواقف الأطراف المتصارعة ويصنع روحا جديدة تتولد منها ثقافة مختلفة.

خامسا: لقد أصبحنا أمام مشاهد جديدة لم تكن فى الحسبان. وأكرر أننا لسنا بصدد تقييم ما حدث. فالإرادة السياسية لكل دولة ذات سيادة هى حقها المطلق، بل إن تفكيرى شخصيا يقترب دائما من الواقع ويرى أن مواجهة الحقيقة أفضل كثيرا من الدوران حولها والالتفاف عليها، فى ظل شعارات عاطفية وأفكار قد تبدو أحيانا أقرب إلى التنفيس عن مشاعر مكتومة بدلا من أن تكون بلورة لرؤية صحيحة. وفى ظنى أنه يمكن الاحتفاظ بالثوابت، ولكن فى إطار واقعى، لأن القطيعة فى حد ذاتها ليست العلاج الأمثل لمواجهة المشكلات، بل إن اقتحام جوهر القضايا هو الفيصل، شريطة ألا يكون ذلك بمنطق الهرولة أو الاندفاع السريع. فنحن أمام صراع العقول وصدام الأفكار، ولا بد من أن نتحسّب للمناخ الدولى والبيئة السياسية التى تحيط بنا جميعا.

إننى ممن يظنون أن التغييرات فى المواقف والسياسات تتولد أساسا من تغييرات كبرى فى الثقافات وأساليب التفكير ومناهج البحث لدى أصحاب كل مشكلة. لذلك، فإننى أقول إن ما جرى فى عالمنا العربى منذ أحداث ما سمى الربيع العربى، هو تعبير عن تحول ثقافى قد يأخذنا فى طريق مختلف، ولكن لا بد من التعامل معه واستثمار نتائجه، لأن التحولات الثقافية أصبحت المتغير المستقل الذى تتبعه عوامل أخرى فى جوانب حياتنا الفكرية، ونبنى عليها مواقفنا السياسية. فالثقافة هى بغير جدال وقود العالم المعاصر، إذ إن العولمة ثقافة، وصراع الحضارات ثقافة، وحتى الحرب على الإرهاب ثقافة.
نقلا عن إندبندنت عربية.

Related Posts