الأربعاء : 22 - نوفمبر - 2017 م

رئيس مجلس الإدارة
حسنى محمود

رئيس التحرير
وليد عادل

حدود 11 فبراير

من الصعب، وسط هوس الجميع بتحقيق انتصار ساحق، أن تجد من يستمع إليك، حين تقسم بأغلظ الأيمان أنه لن يتمكن مهزوم من تحقيق انتصار دائم على مهزوم أبداً. 

في المُطلق، لا تتقدم الدول إلا بالصراع. لكن، يلزم لذلك أن تكون للصراع قواعد ما، ويلزم، قبل ذلك، أصلاً أن يكون هناك دولة، وإذا كنت ترى أن ما تعيش فيه، الآن، دولة، فلن أذكّرك بسيل التسريبات المُهينة التي لا تتوقف عن "الخرّ". ولن أسترجع معك عناوين الأخبار الناضحة بالقتل والفشل، بل سأنتظرك حتى ترجع من أقرب مشوار، لأسمعك وأنت تشكو بعِزم ما فيك من أحوال "الخرابة الكبيرة" التي يظن كثير من أهلها أن الحفاظ على عفنها بالقمع والقتل والكذب هو طريق إنقاذها من مصير الانهيار التام الذي أصاب دولاً أخرى، مع أن نظام السيسي لم يعد يفعل سوى في تقليد أفعال "أشاوس" تلك الدول، مع "تجرية الشريط".  

للأسف، كان الجميع سيوفرون أثماناً غالية، لو أدركوا مبكراً أن الخرابات لا تدار إلا بالتوافق، والتوافق، هنا، لا يعني إلغاء الصراع السياسي، بل التوافق على معايير تحكمه، أهمها أن تسود قناعة شعبية بأنه لن يتمكن طرف من إبادة الأطراف الأخرى، مهما كانت قوته، أو قدرته على حشد الجماهير، أو جلب المعونات، وأن تدرك الأغلبية العظمى من المصريين أن شعار (افرم يا ريس) جريمة، سيدفع ثمنها الذين رددوه، قبل الذين أوهموهم بقدرتهم على تنفيذه، وأن الصراعات السياسية، مهما بلغت حدتها، لا بد أن يكون لها مدى إنساني تقف عنده، إذا أراد المجتمع الحفاظ على نفسه من الخراب، وحين تدرك أغلبية المصريين أن هذه الأفكار ليست مثالية فارغة، بل هي أساس حتمي للبقاء، سيكون المجتمع، عندها، مؤهلا لخوض طريق العدالة الانتقالية الحقيقية، شرطاً وحيداً للاستقرار اللازم للتنمية التي تتضاعف، كل لحظة، فواتير تأخرها. 

حين كتبت في مطلع 2013 أنه ليس أمامنا حل إلا العودة إلى حدود 11 فبراير 2011، سخر مني كثيرون من أنصار تيارات الشعارات الإسلامية، فقد كان يبدو لهم أنهم قادرون على الحسم والسيطرة، وحين أجدد هذه الدعوة، الآن، سأتلقى سخرية أنكى وألعن، ليس لأن أنصار السيسي واثقون من قدرته على الحسم والسيطرة، بل لأن كثيرين منهم باتوا يشكون في ذلك، ما يجعلهم أشد عدوانية وعصبية. لكن، لا بأس، ليأخذ كل واهم "يومينه"، قبل أن تفيقه تعقيدات الواقع من أحلامه، فغداً سيدرك كل عاقل طبيعة الفرصة المثالية التي أضعناها منذ 11 فبراير، حين لم تدرك كل الأطراف الفاعلة حجم قوتها، وحجم مسؤوليتها، وبدلاً من أن "يشيل كل طرف على قد مسؤوليته، وعلى قد قوته"، اندفع كل طرف وراء مواقف لا علاقة لها بحجم قوته، ولا بحجم مسؤوليته، فبدأنا السير في طريق "التغيير على وساخة"، والذي لم يجلب لنا إلا التسلخات التي نقلتنا من مذبحة إلى أخرى، بفتح الألف وضمها أيضاً. لكن، على الرغم من ذلك كله، يظل السير في طريق التغيير حتمياً، مهما بدا مستحيلاً الآن، لكنه يتطلب، أولاً، فهم وعورته، وترتيب الأولويات التي ينبغي مواجهتها فيه.

في مقال له بموقع الحوار المتمدن، نُشر عام 2003، تنبأ الباحث الفذ، الدكتور سامر سليمان رحمه الله، بأنه "لن يكون مقدراً لمصر أن تشهد إصلاحاً سياسياً من دون الإجابة على إشكاليتين أساسيتين، الأولى: ما هي الصيغة التي يمكن، بمقتضاها، حل إشكالية علاقة المؤسسة العسكرية بالسياسة؟ والثانية: ما هي الصيغة التي تستطيع أن تدخل التيار الإسلامي إلى النظام السياسي الرسمي، وفي الوقت نفسه، تحول دون سيطرته على كل المؤسسات السياسية، فتقوم أجهزة الدولة بإجهاض عملية التحول، حتى توقف زحفهم". المثير للأسى أن 11 فبراير 2011 كان اللحظة الأنسب لبدء مواجهة تلكما الإشكاليتين، لو حسنت النيات، وترفعت النفوس عن صفقات الغرف المغلقة، وأدركت العقول الواعية أن الوقت قد فات على محاولات الترقيع بالتحالفات الهشة، وعلى الحلول الصفرية الإقصائية، أيضاً، ولكن، قاتل الله الطمع الذي يقل ما جمع، ولعن الله أوهام الحسم والسيطرة التي تملكت عقول قادة المؤسسة العسكرية، والذين تناوبوا التحالف معها من قادة جماعة الإخوان، ثم قادة من تدعو نفسها بالنخبة المدنية، ورحم الله الذين دفعوا ثمن ذلك كله، ورأف بحال الذين سيواصلون دفع مزيد من الأثمان، حتى يعود المجتمع ثانية باختياره إلى حدود الحادي عشر من فبراير، ليواجه كل الأسئلة التي مهما هربنا منها، بالدم والعنف والتشنج، ستظل عائقاً يحتاج الجميع للتوافق على تجاوزه، لعلنا بعدها فقط نبدأ "على نضافة".

 أقرأ لهذا الكاتب

 الكلمات المتعلقة

  • لا توجد كلمــات
  •  تعليقات الزوار

    اقرأ ايضا

    أهم الأخبار

    الدليل التجارى

    المزيد

    test

    السيارات

    أبو يوسف للحلويات

    محلات متنوعة

    شركة سوا4

    تصميم و برمجة

    الأخبار و المقالات


    بوابة الدقهلية على الفيس بوك