الثلاثاء : 17 - أكتوبر - 2017 م

رئيس مجلس الإدارة
حسنى محمود

رئيس التحرير
وليد عادل

عدالة السماء تنزل على البرازيل

على عكس ما حدث أيام فضيحة سجن أبو غريب وأزمة معتقل غوانتانامو، لم تأخذ أذرع السيسي "الإع..لامية" راحتها في عرض تفاصيل تقرير لجنة الكونغرس الأميركي عن تورط المخابرات الأميركية في عمليات التعذيب، لتستغل ذلك كعادتها في تبرير انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، لأن التقرير يحكي وقائع مخزية عن تورط النظام المصري وأجهزته السيادية، التي لا زالت تحكم البلاد في عمليات التعذيب بالوكالة لحساب الأميركان.

مع ذلك، فقد كان حظ تقرير الكونغرس أفضل من حظ تقرير لا يقل عنه أهمية للمصريين، صدر في نفس الوقت، ولكن في البرازيل، حيث نُشر، بعد طول انتظار، تقرير لجنة الحقيقة التي تم تشكيلها عام 2011 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحكم العسكري للبرازيل في الأعوام من 1964 إلى 1985، والذي لم يكتف بتوصيات لذر الرماد في العيون، كما يحدث في تقارير لجان "تخصّي" الحقائق لدينا، بل قام بتحديد 377 مسؤولاً تورطوا في الانتهاكات في تلك الفترة، ودعا إلى محاكمتهم جنائياً، في تحدٍ واضح لقانون العفو العام الذي صدر في ظل حكم العسكر عام 1979، ليضمن حماية مستقبلية للمسؤولين عن تلك الجرائم.

حتى عقد مضى، ظل نفوذ العسكر في الحياة السياسية البرازيلية قوياً، وهو ما جعل البرازيل تتأخر كثيراً عن دول مجاورة لها، مثل الأرجنتين وتشيلي والأورغواي، سبق لها أن بادرت إلى فتح ملفات الماضي الملغمة، بل وقامت بسجن القادة العسكريين والأمنيين الذين ارتكبوا انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان، إلا أن الأمر ظل مختلفاً في البرازيل، فلم يقترب الرئيس الأسبق، فرناندو كارسادو، من ملف جرائم العسكر، برغم أنه كان قد هاجر إلى الخارج، فراراً من بطشهم، وهو ما لم يفعله، أيضاً، خلفه لولا دي سيلفا، طيلة فترتي رئاسته، برغم شعبيته العريضة، لينتظر ضحايا تلك الانتهاكات ثلاثة عقود كاملة، حتى تهل أول بشائر العدالة

بصدور (تقرير الحقيقة) الذي واكب صدوره بدء الفترة الثانية من عهد الرئيسة ديلما روسيف، التي كانت أيضاً من ضحايا تلك الانتهاكات، وسبق لها الحصول على حكم قضائي بتعويضها عن تعذيبها في فترة السبعينات.
وأنت تشاهد ديلما روسيف، وهي تبكي خلال استماعها إلى نتائج التقرير بمشاعر يختلط فيها أسى استحضار الماضي بفرحة صناعة المستقبل، لا تملك إلا أن تسأل نفسك: هل سيأتي علينا يوم نرى فيه أهالي ضحايانا، وهم يشهدون إعلان نتائج تقرير يكشف كل المتورطين في كل ما جرى من انتهاكات لحقوق الإنسان، في ظل حكم مبارك وطنطاوي ومرسي والسيسي، ليكون ممكناً بعدها فقط أن نحلم بمصالحة وطنية شاملة، لأن المصالحة كما قالت ديلما روسيف، في كلمتها الرائعة: "لا يمكن بناؤها إلا على أساس من الحقيقة، وعندها فقط يمكن منع أشباح الماضي المؤلم والمؤسف من البقاء مختبئة في ظلال الصمت والنسيان".

يبدو ذلك حلماً بعيداً، وربما بدا لدى البعض مستحيلاً، لكنه كان كذلك لدى ملايين البرازيليين، حتى بعد أن تم تشكيل اللجنة التي قوبلت بتحدٍ سافر من رموز النظام العسكري والأمني السابقين، الذين دافعوا عن أفعالهم في وسائل الإعلام الموالية لهم، بل وتبجح بعضهم بأن البلاد لم تكن لتصل إلى ما هي فيه من نهوض اقتصادي، لولا محاربتهم الشيوعية. لكن، ما ساعد لجنة الحقيقة على أداء عملها بكفاءة، هو توثيق أهالي الضحايا وأصدقائهم ما جرى من انتهاكات أولاً بأول، لتقوم اللجنة عبر عمل قانوني متقن بمفاجأة الذين لم يرتجوا منها خيراً، وتشيع، بعد تقريرها، الآمال بمعاقبة الذين كادوا يفلتون بجرائمهم، خصوصاً بعد أن بدأت تتوالى أحكام قضائية، تسمح بمحاكمة بعض القادة العسكريين والأمنيين في حوادث قتل واختفاء قسري لناشطين سياسيين في السبعينات، مستندة إلى حكم تاريخي، أصدرته محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان في 2010 ببطلان قانون العفو الذي أصدره العسكر من قبل، لتأمين مستقبل مجرميهم.

لم تكن تجربة البرازيل أقل مرارة من تجربتنا. ولذلك، سيتحقق العدل لدينا أيضاً، بعد أن تدرك الأغلبية حتميته، عبر خوضها المزيد من التجارب المريرة، وستسعى، عندها، إلى العدالة الانتقالية، ليس من أجل إنصاف المظلومين فحسب، وليس من أجل معرفة الحقيقة فقط، بل من أجل تحقيق الاستقرار اللازم للتنمية والتقدم. وإلى أن يحدث ذلك، ليس لنا من سبيل سوى إبقاء الذاكرة حية نابضة، ومقاومة شهود الزور، ولعن سنسفيل محترفي إعادة كتابة التاريخ على مقاس المجرمين، فبذلك وحده ستنزل علينا عدالة السماء التي لم نرها منذ نزلت في ستاد باليرمو الدولي.

 

 أقرأ لهذا الكاتب

 تعليقات الزوار

اقرأ ايضا

أهم الأخبار

الدليل التجارى

المزيد

test

السيارات

أبو يوسف للحلويات

محلات متنوعة

شركة سوا4

تصميم و برمجة

الأخبار و المقالات


بوابة الدقهلية على الفيس بوك