الاثنين : 23 - أكتوبر - 2017 م

رئيس مجلس الإدارة
حسنى محمود

رئيس التحرير
وليد عادل

كاذبون مثلكم!

على مدى العامين الماضيين، ظل كثير من حاملي صفة "القوى المدنية" يذلّون أنفاس قيادات وأنصار جماعة الإخوان، باتهامهم أنهم باعوا دماء المتظاهرين في محمد محمود ومجلس الوزراء، وأنهم صمتوا على تعرية ست البنات، من أجل مكاسب سياسية رخيصة، وقد كان هؤلاء مُحقِّين في ما قالوه عن الإخوان الذين حملوا فوق ظهورهم أسفاراً ممتلئة بتحذيرات، مثل "من أعان ظالماً سلّطه الله عليه"، من دون أن ينتفعوا بما فيها من عظات وعبر.

طيب، ها هم الإخوان قد رحلوا عن الحكم، وها هم يجنون ثمار عونهم للظَلَمة، فلماذا أسكت الله حسّكم، يا من ظللتم تتباكون على دماء الشهداء وعيون الجرحى وأعراض الفتيات؟ ولماذا لم تعودوا تشهرون في وجوه الجميع الصفحة الأولى من صحيفة (التحرير) التي نشرت صورة تعرية الجنود لست البنات، مصحوبة بعنوان يتهم قادة المجلس العسكري بأنهم (كاذبون)، ما الذي جَدّ في الأمور؟ هل أعلن لكم عبد الفتاح السيسي، في اجتماع مغلق، أنه كان رافضاً ما حدث، وأنه سيحيل المسؤولين عنه للمحاكمة؟ هل قالت لكم أسر علاء عبد الهادي ومحمد مصطفى وبهاء السنوسي وعشرات الشهداء إنها سامحت قاتليهم؟ وهل قالت لكم أسرة الشيخ الشهيد عماد عفت، الذي تاجرتم به في صراعكم ضد الإخوان، إنها تنازلت عن حقها في معرفة من قتله؟ إذا لم يكن ذلك قد حدث كحد أدنى، فأنتم، إذن، انتهازيون ومتاجرون بالدماء كالإخوان تماماً، وأنتم مثلهم لا يشغلكم سوى مكاسبكم. ولذلك، فأنتم إلى زوال مثلما زالوا، مهما بدا أن أقدامكم راسخة في الأرض، وأن منطق القوة يدعمكم.

أعلم أن كلاماً مثل هذا لم يعد يجلب لقائليه إلا الاتهام بأنهم عناصر إثارية، ترغب في زعزعة الاستقرار والتحريض ضد الجيش والشرطة، برغم أنه إذا كان هناك حقاً من يريد للبلد أن تستقر فهو وحده الذي يطالب بالعدالة الانتقالية التي تفتح كل ملفات القتل والفساد والقمع، من دون أن تستثني أحداً من الحساب، ومن دون أن تمنع أحداً من طلب الصفح والإصلاح. وإذا كان هناك من يخاف على الجيش المصري، فهو من ينصح قادته بألا يستكبروا في الاعتراف بالخطأ والاعتذار ومحاسبة المخطئين، كما تفعل أقوى جيوش العالم، وإذا كان هناك من يرغب في أمن البلاد فهو من يسعى لأن تكون هناك شرطة مهنية خالية من القَتَلة والفاسدين، وغداً ستجبر تداعيات الواقع أولئك الذين يرفضون إدراك هذه الحقائق على دفع ثمن إغلاق الجراح قبل تطهيرها، ولن تنفعهم محاولاتهم لتشويه وتخوين كل من يطالب بالعدالة والتطهير، ولن يحميهم شيوخ السلطان، ولا مثقفو الموالسة ولا الكلاب العضاضة التي لم يستخدمها حاكم في التاريخ، إلا وكانت سبباً في وكسته وخيبة أحلامه.

لقد ظنت جماعة الإخوان ورئيسها، سيئ الذكر محمد مرسي، أن من الأنفع لها أن تدفن تقرير لجنة تقصي الحقائق، وتؤجل فتح ملف العدالة الانتقالية، مفضّلة أن تدير ظهرها للتعهّدات التي أوصلتها إلى الحكم، وتسعى للتكويش على مكاسب السلطة، متخيّلة، بفكاكتها المثيرة للقرف، أنها تستطيع أن توظف أجهزة الدولة الأمنية لقمع كل من يعترض على كذبها وإخلاف وعودها، وعندما اكتشفت تعليم خديعة الدولة العميقة على أقفية قياداتها، لم تسارع بإصلاح أخطائها، بل لجأت إلى أسلحة التحريض الطائفي، والتصعيد الحنجوري التي زادت من غرزتها في الوحل الذي لا تزال غارقة فيه حتى الآن، فلا هي كسبت شرف خوض معركة تحقيق العدالة، ولا هي أفلحت في الحصول على مكاسب السلطة ومغانمها.

واليوم، يكرر كثير من حاملي صفة "القوى المدنية" نفس الخطيئة الإخوانية بحذافيرها، لدرجة أن بعض تصريحات قياداتهم تكاد تكون مقتطعة بالنص من بيانات حزب (الحرية والعدالة) التي تُمجِّد الواقعية السياسية، وتدعو لتجاوز التفاصيل والرضا بالمتاح وتفويت الفرصة على من يريدون إفساد العرس الديمقراطي... لقد سبق لكثير من النخب السياسية والثقافية، في الماضي القريب، أن وافقت على إهدار حقوق الإنسان وكرامته، لكي لا يعلو صوت فوق صوت المعركة، فأخرسنا كل الأصوات وخسرنا المعركة. واليوم، تكرر النخب السياسية والثقافية خطيئتها بالمشاركة في إهدار حقوق الإنسان، واغتيال العدالة والإنسانية، بزعم أن ذلك سيحقق حلم الدولة المدنية المتقدمة، كأنهم سينجحون دوناً عن غيرهم في تغيير سنن الله في الكون التي قضت أن تنتصر الدولة العادلة، ولو كانت كافرة، و"تنوكس" الدولة الظالمة، ولو طبّل لها كل شيوخ السلطان، وهلّل لها كل مثقفي الموالسة.
(مقتطفات من مقال نشرته، في مثل هذا اليوم من العام الماضي، في صحيفة "الشروق" بعنوان "مهرجان الدنيا شمال").

 أقرأ لهذا الكاتب

 تعليقات الزوار

اقرأ ايضا

أهم الأخبار

الدليل التجارى

المزيد

test

السيارات

أبو يوسف للحلويات

محلات متنوعة

شركة سوا4

تصميم و برمجة

الأخبار و المقالات


بوابة الدقهلية على الفيس بوك