الثلاثاء : 17 - أكتوبر - 2017 م

رئيس مجلس الإدارة
حسنى محمود

رئيس التحرير
وليد عادل

عن الجن الذي يقبع وراء مصنع الكراسي

كثر القيل والقال عن حلقات الجن الذي يسكن القري والعشوائيات ويزاحم المعدمين في غرفهم الضيقة المكتظة بالأكوام البشرية بينما يترك هذا الجن ساكني "الكومباوندز" والفيلات والقصور، ولا يقترب بتاتاً من حسناوات الغرب و يفضل عليهن معاشرة فتيات متواضعات الجمال رقيقات الحال.

وصار من الحيل المعروفة أنهم إذا أرادوا بخس حق شقة أو فيلا أو قصر مع طرد سكانه دون عناء اللجوء إلي القضاء أو البلطجة أشاعوا عنه أنه مسكون ولتلك الحيلة أثر السحر الزعاف.

يرتبط الحديث عن الجن و العفاريت بالمرأة علي وجه خاص و ذلك لأن المرأة في مجتمعنا الشرقي كائن مقهور مغلوب علي أمره و يعاني من الكبت المجتمعي والجنسي، فتلجأ لحيل دفاعية من أجل لفت الإنتباه لمشاكلها المجتمعية بطريقة ملتوية لن يحاسبها عليها المجتمع؛ فتدعي أنها مرغوبة من الجن الذي يحنو عليها أكثر من ذويها، وأن الجن يعاشرها جنسياً وهو ما يعرف في الطب النفسي بـ "الإنشقاق الهيستيري" والذي يحدث عندما تلجأ ضحية معنفة تعاني من الصدمة والقهر والكبت إلي حيل يصورها لها اللاوعي من أجل الإفصاح عن معاناتها ورغباتها المكبوتة دون إرهاب مجتمعي.

ولتبسيط الأمور يرجع ذلك إلي أنها لو صرحت أمام أسرتها أنها تشعر بالحزن والعزلة والكبت والقهر لنالها وابل من السباب والضرب والتهم التي ستنال من شرفها وسمعتها، ولذلك تتحول في حالة انشقاقية عن واقعها المرير ويتبدل صوتها وتصرخ وتظهر عليها أعراض نفسية مما يظنه الأهل أنها "ملبوسة" ويلجأون معها لزيارة المشعوذين والدجالين والنصابين وبذلك تحصل علي الشعور بالإهتمام والشفقة الذي كانت متعطشة إليه من جانب أهلها.

إن مسلسل "السبع وصايا" قد ألقى جانباً من الضوء علي ارتباط المرض العقلي بالجن وذلك عندما صرح بطل من أبطال العمل بأنه "مصروع" أي أنه تنتابه نوبات صرعية من حين لآخر يفقد علي اثرها الوعي و يتشنج، وتغرب عيناه ويصدر أصواتاً مخيفة نتيجة لانقباض عضلات الحنجرة الملازم لتشنج عضلات جسده. وقد أخفت أمه حقيقة مرضه حتي يتسني له الزواج مما أوقع زوجته في فخ النصب والدجل والشعوذة، ولذلك مدلول هام في مجمله علي أن معظم الناس علي الرغم من علمهم بأن ابنهم مريض عصبي أو نفسي او عقلي يفضلون أن يشيعوا عنه أنه "مخاوي" أو "ممسوس" أو "صاحب بركة"  وذلك للدفع بوصمة المرض العقلي بعيداً عنهم، ولصنع حاجز من الرهبة أمام كل من يحاول النبش وراء حالة ابنهم العقلية.

يشكو مرضي الفصام من سماعهم لأصوات طوال الوقت "هلاوس سمعية" وربما تصاحبها رؤية أشياء غير حقيقية "هلاوس بصرية" ويرجعون ذلك إلي أي تفسير بعيداً عن المسبب الحقيقي ألا وهو إصابتهم باضطراب نفسي او عقلي؛ فبعضهم يزعم ان أجهزة المخابرت تهاتفه والبعض الآخر يزعم أن الجن يسكنه ويتحدث إليه.

وتختلف التفسيرات فيما بين المرضي حسب اختلاف ثقافاتهم ودياناتهم وبيئتهم، فلو كان المريض مسيحيا لأدعي بأنه يسمع صوت يسوع أو الروح القدس، ولو كان مسلما لأدعي بأنه يسمع صوت وحي جبريل أو جن من الشياطين يسكن جسده ويكلمه، بينما لو كان المريض ملحداً لأدعي بأنه اختطف من قبل كائنات فضائية وزرعت له أجهزة في مخه يخاطبونه من خلالها. تختلف التفسيرات والمسبب واحد وهو اضطراب كيميائي في مستقبلات المخ يجعل الهلاوس الصوتية والبصرية حقيقة لا يقبل المريض نقاشها.

وقد يزعم البعض أن الممسوس من الجن يكره سماع القرآن أو الكتب السماوية بصفة عامة و ذلك مردود عليه بأن ذلك يرجع إلي طبيعة مرضهم و طرق التعامل السيئة مع مرضهم العقلي؛ فمعظم المرضي النفسيين والعقليين يلجأون للدجالين والمشعوذين في بداية ظهور أعراضهم المرضية وهؤلاء النصابين يستخدمون طرق في غاية العنف منها ضرب المريض حتي يدمي جسده لإقناعه وإقناع أهله بإخراج الجان ويتزامن ذلك الضرب المبرح مع ترديد الأدعية و الآيات، وبذلك ارتبطت الآيات القرآنية بالضرب والألم في ذهن المريض فأصبح لا يطيق سماعها من شدة ما تعرض له من آلم مصاحب، و هو ما يذكرنا بتجربة العالم الروسي "بافلوف" لدراسة الارتباط الشرطي من خلال سلوك الحيوان.

كما أن بعض المرضي النفسيين وأخص بالذكر مرضي الفصام والوسواس القهري طبيعة مرضهم قد تمنعهم من أداء العبادات بصورة سليمة، فعلي سبيل المثال مريض الوسواس القهري قد تلازمه أفكار ملحة تقتحم ذهنه بخصوص سلامة عقيدته، وبعضهم يشعر دوماً أنه مقصر في آداء الشعائر الدينية و لنضرب مثالاً بسيطاً باحتساب عدد ركعات الصلاة فتجده دوماً يظن أنه قد أغفل ركعات مما يجعله ذلك لا يبارح الصلاة مع شعور دائم بالقلق والذنب.

بينما يصاحب مرضي الفصام الارتيابي ضلالات عظمة فيعتقد أحدهم أنه صاحب دعوة و نبي مكلف من الله برسالة ما فتجده يبتكر طريقة جديدة للصلاة تصدم أهله فيظنون أنه مصاب بمس من الشيطان.

إن ما يحدث من برامج التوك شو الصفراء من استغلال لفقر وقلة حيلة المرضي النفسيين وأهلهم هو جريمة أخلاقية لا تغتفر- هذا علي حسن الإفتراض أن من يظهرون في تلك البرامج هم مرضي نفسيين وليسوا مأجورين- وأن يتم ترويج الخرافات من خلال بعض الوسائل البدائية البلهاء في المؤثرات البصرية مثل إحراق معدن "الصوديوم" في الماء هو جريمة ثقافية لا تغتفر، وإن ضرب العلم والطب النفسي في مقتل من خلال تمثيليات الدجالين والمشعوذين هو جريمة علمية لا تغتفر، وإن تجاهل موبقات ذلك المجتمع وجرائمه من خطف الأطفال وظاهرة أطفال الشوارع وظواهر التحرش والإغتصاب والقمع بينما يتم خلق مشاكل وهمية من نار الصوديوم المحترق هو جريمة مجتمعية لا تغتفر، فكم من الجرائم ارتكبت باسمك يا إعلام مشوه وصحافة ممسوخة!.

 الكلمات المتعلقة

 تعليقات الزوار

اقرأ ايضا

أهم الأخبار

الدليل التجارى

المزيد

test

السيارات

أبو يوسف للحلويات

محلات متنوعة

شركة سوا4

تصميم و برمجة

الأخبار و المقالات


بوابة الدقهلية على الفيس بوك