الجمعة : 24 - نوفمبر - 2017 م

رئيس مجلس الإدارة
حسنى محمود

رئيس التحرير
وليد عادل

مناخ الهذيان الغامق

إذن، فحين غضبنا من عصابة داعش اللعينة، لأنها قتلت الأبرياء من أبناء المصريين، واستهانت بحقهم في الحياة، قررنا أن نصطَفّ لحربها خلف قادةٍ، تفننوا في قتل أبرياء المصريين، والاستهانة بحقهم في الحياة. 

أنا آسف لو ضايقك كلامي. لكن، هل تريدني حين أرى صورة يجلس فيها عبد الفتاح السيسي ومحمد إبراهيم في اجتماع حرب، أن أتوقع النصر المبين على داعش؟ مثلك، والله، أتمنى النصر على داعش، وأتمنى، مثلك أيضاً، أن نعيش في عالم لا يوجد فيه تطرف كريه، ولا بيانات "جئتكم بالذبح"، ولا فيديوهات تثبت للعالم كيف جاء الإسلام "بالسيف رحمة للعالمين". من حقنا أن نحلم ونتمنى، ونسعى إلى تحقيق أحلامنا. لكن، من واجبنا تذكير بعضنا بأن الحرب على أعداء الحياة لن ينتصر فيها إلا الذين يحترمون الحياة، ويصونون كرامة الإنسان وحريته، وإلا فإن تضحيات الجنود في الحروب سيتم اختطافها، في النهاية، لخدمة المستبدين وتجار السلاح وعشاق توظيف الوطنية لزيادة أرصدة البنوك. 

لا تشبه كل حرب سابقاتها، لكن المشترك بين جميع الحروب أن من يحذر من عواقبها ودوافع قادتها، أو جاهزيتهم لخوضها، يعتبره أغلب الناس خائناً، وهم يأملون في النصر، ويعتبره بعضهم بعيد النظر، فقط حين تحدث الهزيمة. عندما قرر عبد الناصر أن يخوض حرب اليمن، لم يكن هناك مجال لأن يعترض أحد علناً وقتها، لكي نعود إلى ما كتبه فنتأمله. مع ذلك، حاولت أن أتخيل كيف تعرض المعارضون لتلك الحرب، ولو سراً، لسيل منهمر من الاتهامات بكراهية الوطن وخيانة الجيش، أو، في أحسن الأحوال، بالجُبن وقصر النظر والانهزامية، قبل أن يتضح، بعد فوات الأوان، أن تلك الحرب، على الرغم من كل نواياها الطيبة المعلنة، كانت سبباً مساعداً على الوصول إلى هزيمة 1967. وبالطبع، أنهيت تخيلاتي لما جرى بضحكة مجروحة، حين تذكرت أنني أعرف كثيرين، لا يزالون يرون في كل خطايا الستينات مجداً لا يمكن التشكك فيه، فضلاً عن إدانته. 

سيرى كثيرون أنه ليس من الحكمة السؤال عن مدى صواب اتخاذ خطوة عسكرية، لمجرد "فَشّ غل" الجماهير، من دون تقييم آثارها على المصريين المقيمين في ليبيا، وأن من العبث تذكير الناس بالكوارث التي ارتكبتها الإدارة الخاطئة للحرب على الإرهاب في سيناء، والتي زادت الطين دماً، بشكل لم يعد التعتيم الإعلامي قادراً على ستره، وأن من العبث التنبيه إلى خطورة المبادرة بضربات جوية، من دون معلومات استخباراتية موثوقة، وغطاء سياسي قوي، وأن من السّخَف سؤال الناس عن خطورة أن يخوض الوطن حرباً تقودها عقول اقتنعت أن هناك جهازاً يحول الفيروسات إلى كفتة؟ لن يلقي الكثيرون بالاً لكل هذا، لأنهم يحبون إحساس العيش في ظل دولة فيها جيش قوي قادر، ولن يصدقوك، لو قلت إنك تحب ذلك أيضاً. ولذلك، تدعو للمحافظة على الجيش، بإبعاده عن وحلة الصراع السياسي، والنأي به عن أي مغامرات غير محسوبة، والحرص على أن يكون مؤسسة قوية من مؤسسات الدولة القوية، لا أن يكون هو الدولة، لعلنا، بذلك وحده، ننجو من مصير العراق وسورية، اللتين أصبح الجيش فيهما هو الدولة، فسادتهما حالة دائمة من الحرب، تم في ظلها إخراس كل منتقدي السياسات الطائشة، التي قادت إلى حروب مهلكة، ساهمت بدورها في صنع حالة (الدولة الفاشلة). 

للأسف، ليس أمامك سوى التذكير بحقائق مريرة، ستتوه وسط مناخ الهذيان الغامق الذي يخلو حتى من بهجة الهذيان المعتادة، حقائق منها أن الشعارات الزاعقة لن ترد أرواح الفقراء الذين قتلوا غدراً، ولن تحمي الفقراء المعرضين لمزيد من القتل الغادر، وأن من يحجب فيديوهات قتل بعض قواته مواطنيه عن وسائل الإعلام، ثم يقوم بتكثيف عرض فيديوهات قتل أعدائه لمواطنيه، فآخر ما يهمه، حقاً، حياة مواطنيه، ومن واجبك الوطني أن تتشكك في مآربه ونواياه، وأن الطائرات المتقدمة لن تمحو آثار السياسات المتخلفة، وأن هزيمة التطرف لن تتم على أيدي قادةٍ، يتحالفون مع عتاة المتطرفين في الداخل والخارج، وأن الشعب الذي لا يستطيع مساءلة قادته على مذبحة في استاد أو ميدان، لن يستطيع مساءلتهم على نتائج حرب مجهولة التكاليف، وأن من فشل في سيناء لن ينجح في ليبيا، حتى لو فتقت نفسك تهليلاً له، لأن المهللين للحرب العشوائية لن يدفعوا ثمنها، بل سيدفعه مواطن فرّ من جحيم الفقر إلى جحيم الموت، ثم عاد من جحيم الموت إلى جحيم الفقر الذي لا يخلو من الموت، وجندي لم يتدرب إلا على خدمة قادته، وضابط يدفع ثمن عَكّ قادته، ووطن مبتلى بحكم هواة المعارك الخاطئة. 

 أقرأ لهذا الكاتب

 الكلمات المتعلقة

  • لا توجد كلمــات
  •  تعليقات الزوار

    اقرأ ايضا

    أهم الأخبار

    الدليل التجارى

    المزيد

    test

    السيارات

    أبو يوسف للحلويات

    محلات متنوعة

    شركة سوا4

    تصميم و برمجة

    الأخبار و المقالات


    بوابة الدقهلية على الفيس بوك